الشيخ محمد علي طه الدرة

65

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

الشيطان ألة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ، وليس له قدرة أن يضل أو يهدي أحدا ، وإنما له الوسوسة فقط ، فمن أراد اللّه شقاوته سلطه عليه ، حتى يقبل وسوسته ، هذا ؛ والشيطان اسم يطلق على عدو اللّه إبليس ، وقد يطلق على كل نفس عاتية خبيثة ، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس ، والجن ، والحيوان ، وما أكثر الشياطين بهذا المعنى من بني آدم ، انظر الآية رقم [ 112 ] من سورة ( الأنعام ) وما ذكرته في شرحها . وقد قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي ذر الغفاري - رضي اللّه عنه - « يا أبا ! ذرّ تعوّذ باللّه من شياطين الإنس والجنّ » . قال : أو للإنس شياطين ؟ قال : « نعم » . ولا تنس أن لكل واحد من الإنس شيطانا قرينا له ، بدليل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة - رضي اللّه عنها - « أجاءك شيطانك ؟ » قالت : أولي شيطان ؟ قال : « ما من أحد ، إلّا وله شيطان » . قالت : وأنت يا رسول اللّه ؟ قال : « وأنا إلّا أنّني أعانني اللّه عليه فأسلم ، فلا يأمر إلّا بخير » . أسلم : يروى بفتح الميم على أنه ماض ، وفاعله يعود إلى الشيطان فيكون من الإسلام ، ويروى بضم الميم على أنه مضارع ، وفاعله مستتر تقديره : « أنا » ، فيكون من السلامة ، هذا ؛ والشيطان مأخوذ من شطن إذا بعد ، وقيل : مأخوذ من شاط إذا احترق ، فعلى الأول : هو مصروف لأن النون أصلية ، وعلى الثاني : هو غير مصروف ، لزيادة الألف والنون ، وشطن من باب قعد ، وشاط من باب ضرب . وقال : أي : الشيطان ، لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ أي : لا يغلبكم اليوم أحد من الناس في هذه الحرب ، انظر اليوم في الآية رقم [ 128 ] الأنعام . النَّاسِ : انظر الآية رقم [ 82 ] ( الأعراف ) . وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ : مجير لكم من أعدائكم ، هذا ؛ والجار هو المجاور لك في المسكن ، أو في المتجر ، أو في الحقل ، ويطلق على الشريك في العقار ، والخفير ، والمستجير ، والحليف ، والناصر ، وجمعه في القلة : جيرة ، وفي الكثرة : جيران ، وأجوار ، وجوار . تَراءَتِ الْفِئَتانِ : رأت كل فئة عدوتها ، والمراد الجيشان : جيش الإيمان وجيش الكفر ، وانظر شرح فِئَةٍ في الآية رقم [ 16 ] . نَكَصَ : رجع ، قال الشاعر : [ البسيط ] ليس النّكوص على الأدبار مكرمة * إنّ المكارم إقدام على الأسل وقال الشاعر : [ الطويل ] وما ينفع المستأخرين نكوصهم * ولا ضرّ أهل السّابقات التّقدّم عَلى عَقِبَيْهِ أي : فارا راجعا ، وعقبيه مثنى عقب ، وهو مؤخر قدم الإنسان ، وفي ذلك استعارة لإبطال كيده ومكره وخداعهم له . إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ : أعلن براءته منهم ، وهم في أحرج الأوقات ، وأحلك الساعات . وانظر شرح براءة في الآية رقم [ 1 ] من سورة ( التوبة ) . إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ : إني أنظر وأبصر ما لا تبصرون . إِنِّي أَخافُ اللَّهَ : قيل : خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه ، والأصح أنه كذب في قوله ، ولكنه علم : أنه لا قوة له